.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست

المقدمة

 

نقـــــــــــول

 

الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمدٍ وآله الطاهرين.

إنَّ كتابةَ مقدّمةٍ لكتبٍ خطرةٍ من مثل هذا الكتاب هو أمرٌ يتطلّبُ توفيقاً. إذ مهما بلغ الجهد الفكري في تأملها، ومهما بلغت القراءة الوافية لجملها وعبائرها، ومهما طال الدرس لفروضها وبراهينها.. مهما كان كلُّ ذلك، فإنَّ خطَّ مختصرٍ تقديميٍّ ضافٍ عنها يكاد أن يكون عملاً كمالياً فوق ما هو عملاً متعباً جداً. والسبب هو في أنَّها تكاد تصرّحُ كلّ صفحةٍ فيها عن مضمونها الكليّ.. فهي المقدّمةُ والمقدّمةُ هي.. فما حاجتها إلى المقدّمة إذن؟!.

وهذا إذا كانت هي مؤلّفاتٌ تحيط بمجمل الفكرة التي يريد كاتبها إبانتها فيها.. فما بالك إذا كانت هي بنفسها مقدّمة؟.

أجل فإن يكون الكتابُ هو بنفسه مقدّمةً ، فإنّ ذلك يعني أن الفكرةَ مضمون الكتاب هي أكبر من أن يحيط مؤلفها بها، وبالتالي فلا بدّ أن كتباً أخرى ستكون في الخلفية الفكرية للمؤلّف تنتظر دورها في الظهور، بين تفصيلٍ لما أجمل من الفكرة التي يريد إظهارها أو تطبيقٍ لركائزها وأسسها. وأيضاً لا بدّ من توقّع مؤلفاتٍ لمن يتبنّى من المفكّرين ما جاء به المؤلف متوسّعاً أو شارحاً أو مكمِّلاً.

والكتب من هذا النوع قليلةٌ قليلة.. بل هي من الندرة بمكانٍ.

وبدون مواربةٍ أو أدنى تحفّظٍ.. نقول.. إنَّ هذا الكتاب هو أحد المعالم الكبرى لكتبٍ أُلِّفت لتكون مقدّمةً. ذلك لأنّه النتيجة المنطقية الحتمية لتفكيرٍ مؤسّسٍ ورائدٍ جاء لتزييف فكرٍ عامٍّ كانت له الغلبة في السيطرة على ضمائر وعقول الناس لدهورٍ ظلاميةٍ طويلةٍ مسكونةٍ بالعذاب المستديم.. هذا الفكر هو الفكر الديني العام ممّا لا يكون معبّراً عن الحقائق الأصيلة في كتاب الله ورسله وأولياءه.

وإذا كان هذا الفكر مزيفاً فعلاً رغم تقادمه وكثرة المنظّرين له، فإنَّ ذلك يستدعي تقديم بديلٍ حقيقيٍّ مؤسسٍ، ومن ثم العمل فوراً على إعادة النظر في كافة الأفكار حول مختلف القضايا، والتحقّق من محتواها مقاساً إلى حقائق أصيلةٍ يفترض أنّها مخفاةٌ تعمّداً منذ البدايات النقية للفكر الديني في مصادره الأولى.

وبالتأكيد فإنَّ النتيجة لهذا العمل هي.. فكرٌ جديدٌ.. إنّما صادقٌ.

فالنظام القرآني هو كتابٌ مؤسّسٌ.. وموضوعه هو القرآن الكريم.. الكتاب الذي جاء تصديقاً للذي بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه.

فهو إذن يتناول الفكر الديني برمّته معالجاً إيّاه بنقدٍ حازمٍ ومهدِّماً له بمعولٍ مكينٍ.

ويتعيّن علينا أن نؤكّد هنا على مفهوم الفكر الديني هذا.. فهو الفكر الذي أصابته عقول الرجال من دون القرآن الكريم أو العلماء المعصومين (ع) محاولةً أن تجد لمبتنياته سنداً من نفس هذين المقياسين الأوليين عن طريق الصياغات الموهمة التي لا تمت في جذورها بصلةٍ تامةٍ إلى أي تسلسلٍ منطقيٍّ يرجع بها إليهما. بل هي جميعها ثغراتٌ صادمةٌ تُستشفُّ بأدنى تدبّرٍ حتى لو وُجِدَ أحياناً طريقٌ صائبٌ يربطها بهما، لأنَّ النتفَ لا يغني عن التمام.. فلئن وقعتَ على نتيجةٍ واحدةٍ صائبةٍ، فستجدها ضمن نتائج قد لا تعدُّ، كلّها خاطئة.. وهذا ما يدلُّ على وجود خطأٍ حتميٍّ في الأسس التي وُضعت على ضوئها هذه الصياغات.

ومن هنا جاءت التسمية الأخرى من لدُن العالم النيلي لهذا الفكر.. وهي (الفكر الاعتباطي). وهي تسميةٌ أخذها من موقف المفكرين من أهم دالةٍ للفكر، ونعني بها اللغة. وهذه التسمية لها ما يبرّرها، إذ لمّا كانت اللغة اعتباطية المنشأ ولا يمكن تقدير قوانين جوهرية لها كما اعتقد جملةٌ واسعةٌ من علمائها، فإن من البديهي أن يكون الفكر القائم عليها هو فكرٌ اعتباطي أيضاً انطلاقاً من أنَّ اللغة هي في تصوّرٍ معيّنٍ حاملةٌ للفكر أو من تصوّرٍ آخر أنها هي الفكر نفسه.

وطبعاً هناك بعضٌ قليلٌ يقول بقصدية الأصل للغة وإن لم نصل إلى صياغة قانونٍ لهذا الأصل.

وهذه النظرة القصدية لها أصالتها في المنظور الديني كما هو في كتاب الله وأقوال العلماء المعصومين (ع)، ويمكن أن يقال عنها أنّها من بين ما تمَّ إخفاءه من حقائق. وتجد مظاهرَ هذه الأصالة وبعضاً من دلائلها في الجزء الثاني من الكتاب الآخر للعالم النيلي والمسمّى باللغة الموحدة.

ولا نجانب الصواب إذا قلنا أنَّ القصديةَ كانت تراود القلّة من المفكرين انطلاقاً من هذا المنظور الديني.

وإنَّ العالم النيلي يبدو لنا في مؤلفاته وبخاصةٍ النظام القرآني في قمّة هؤلاء المفكّرين القصديين.. فهو يرى أنَّ القصدية هي الأصل وهي الجوهر لا في الفكر عامّةً، وإنّما في عالم الخلق قاطبةً، ومن ثمَّ فلا اعتباط على الإطلاق، إذ الاعتباط هو وهمٌ يتعلّق بالإنسان باعتباره لا زال في طورٍ متخلّفٍ قياساً بما ينبغي له أن يكونه.

وإذن.. فالفكر القصدي هو بديلٌ نقيضٌ للفكر الاعتباطي. وإذا كان قد مضى ردحاً من الزمن على التأسيس القصدي للمفاهيم الفيزيائية في عالم الخلق التي تمَّ من خلالها التنظير العلمي الكشفي المعاصر، فإنَّ التأسيس القصدي للغة لم يبدأ جدياً إلاَّ في كلٍّ من كتابي اللغة الموحدة والنظام القرآني. وهما الكتابان اللذان يريان في اللغة على أنها نظامٌ كليٌّ في صورتها الأولى.. وهي نظامٌ لا ينفكّ عن نظام الخَلق، بل يسير معه جنباً إلى جنبٍ كاشفاً عنه ومظهراً لدقائقه ومحتضناً لسرّه.

وهكذا فإنَّ العلاقة وطيدةٌ بين فكرتي القصد والنظام، إذ أنَّ كلَّ نظامٍ ينطوي ذاتياً على علاقاتٍ قصديةٍ بين أجزائه عناصراً أو مركّباتٍ، كما أنَّ كلَّ قصدٍ لا يكون إلاَّ في إطار نظامٍ. فحيث يكون نظامٌ تجدُ قصداً، وحيثُ يكون قصدٌ تجدُ نظاماً.

ممّا سبق ندرك المغزى الذي يشير إليه مصطلح "النظام القرآني"، وسبب تسمية هذا الكتاب به كعنوانٍ أوليٍّ. وأمّا العنوان الفرعي الذي هو (مقدّمة في المنهج اللفظي) فإنّه وثيق الصلة بالعنوان الأولي. ووجه الصلة هو في كون المنهج اللفظي هو الأداة المثلى المستخرجة من نفس النظام، والتي بها وحدها يتم كشف هذا النظام.

فالقرآن الكريم إذن.. هو نظامٌ قصديٌّ صارمٌ.. لا بالمعنى الشكلي الذي منه  المعنى البلاغي، وإنما بالمعنى العلمي الهندسي مطبّقاً على نصٍّ لغويٍّ قياسيٍّ.

ولمّا كان هذا النصّ هو نصٌّ إلهي كما يقول هو عن نفسه، فالنتيجة الحتمية لذلك هي أنّه لا بدّ أن يكون أدقَّ نظامٍ على الإطلاق. وفي هذا يكمن الإعجاز.

وقد جاء العالم السيد النيلي بكتابه عن النظام القرآني كمحاولةٍ باسلةٍ لاستجلاء المظاهر المعجزة لهذا النظام، والتأسيس له، وفضح المكر الاعتباطي القاصد لإخفائه ومحوه عن الوجود.

ويبقى تقييم هذه المحاولة رهنٌ بالعقلية الحرّة، المريدة للحقائق والمستعدة للتضحية بمسلماتها الآنية لأجل مسلّماتٍ أخرى تتوسّم فيها الحقّ. ولهذه العقلية فقط تكون نصيحتنا بقراءة  هذا الكتاب لأنّه كتابٌ خطرٌ وخطرٌ جداً، بل هو بتطبيقاته أخطر ما كُتبَ فيما يتعلّق بالخطاب الديني. وحسبك أن تجد تفاصيله على معارضةٍ كليّةٍ لما قرّ في أذهان جملةٍ واسعةٍ من كبار أساتذتنا الأعلام ممّن كان لهم دوراً ريادياً على الصعيد الفكري والاجتماعي.

ونحن في هذه المقدمة إذ نحاول إيفاء الكتاب حقّه من التعريف لا نجد غضاضةً من القول بأنّه في طبعته الثانية قد تميّز عن سابقتها من عدّة نواحٍ منها الصياغة اللغوية لعددٍ غير قليلٍ من فقراته، والتصحيح اللغوي، وإضافة بعض الهوامش التوضيحية، فضلاً عن الإخراج الفني له.

وبالنسبة لإعادة الصياغة فإنّ من المسلّم به أن هذا العمل لا يجوز في عالم التأليف، إذ هو تصرّف بمراد المؤلف ليس إلاّ.. والفكر القصدي يرفض هذا العمل بتاتاً إلاَّ في حالةٍ موافقة المؤلف على التغييرات التي يضفيها من يكلّفه بطباعة أو نسخ مؤلفات،ه وكذلك في حالة كون المؤلف يتحدث عن حقائق مُعاينةٍ كما لو ألف في الرياضيات أو علوم الطبيعة.

وقد كانت لنا هذه الموافقة من قبل السيد النيلي رحمه الله حيث هدفنا من وراء ذلك إلى توضيح بعض الفقرات المبهمة، وتصحيح الأخطاء اللغوية، وأيضاً فإن المنهج اللفظي (كما قرّر العالم النيلي في مداخلةٍ له تجدها في الجزء الثالث المقبل بإذن الله) ليس ملكاً لا للمؤلف ولا لغيره من المؤلفين، وإنّما هو ملك القرآن فقط، انطلاقاً من حقيقة أنّ المناهج العلمية ليست ملكاً لأحدٍ أيّاً كان، بل هي ملك موضوعها. وأمّا المؤلفون فليس لهم سوى مجرّد فضل الكشف عنها. وهذا يعني أنّ الحديث عن المناهج باعتبارها أدواتِ كشفٍ للحقائق لا يمكن أن يقيّد بأسلوب الكاتب الخاص.

بقي أن نشير إلى أنّ الطبعة الأولى قد تكفّل بمتابعتها والإشراف عليها أحد أصدقاء العالم النيلي في عمّان، ولم يتسنّ للنيلي مطلقاً المشاركة في ذلك، لظروف القهر السلطوي حينها الذي كان يمنعه من السفر لأسبابٍ شتى. وقد وقفنا على رسائل عديدةٍ تصوّر مدى الجهد المضني الذي تكبّده هذا الصديق مشكوراً. ومع ذلك فقد جاءت الطبعة الأولى وفيها هناتٍ ونواقص غير يسيرةٍ أملنا سدّها ما وسعنا الجهد.. ونحن نشكر هذا الصديق على جهوده وإخلاصه ونتحفظ عن ذكر اسمه حتى حين.. ونشكر كلّ من ساندنا مادياً ومعنوياً في ما عملناه.

نسأل الله أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم.. ويرينا فضلاً منه ورحمةً في الدنيا والآخرة.. إنّه رؤوفٌ رحيم. والحمد لله ربّ العالمين.

 

 

 

فرقان محمد تقي مهدي الوائلي

بغداد

15 جمادى الأولى 1424

15 تمــــوز 2003

 

 

.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست
coration: none; font-weight: none" href="index.htm"> الفهرست