.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست

الفصل الأول
البعد الكوني والعقلي للاستخلاف

 

1- الفكرة العامة للمهدوية

يؤكد الباحثون في التاريخ وعلم الاجتماع يوماً بعد آخر أن فكرة وجود منقذ للبشرية هي فكرة عامة تظهر بشكل أو بآخر في المجتمعات الإنسانية، رغم اختلافها الشديد وتباينها في الثقافة والقومية والدين. ومن هنا يظهر خطأ التصور القائل أن فكرة المهدوية هي فكرة دينية غيبية.

يَا قَائِمَ     آل     مُحمَّدفإذا كان جوهر الفكرة هو ظهور قيادة عالمية تحكم العالم بالعدل وتقيم القانون وتخلص البشرية من ويلات الحروب والمجاعات، فإن هذا الهدف كان ولا يزال من أهداف المصلحين والساسة والحكماء والفلاسفة في مختلف العصور بل هو اليوم في العالم المتحضر أظهر منه في أي وقت مضى، كما سنرى، فهل تحول ساسة الغرب إلى رجال دين غيبيين أيضاً؟ كلا وإنما هو الشعور العام بضرورة الحكومة العالمية.

إن المهدوية تظهر في الديانة اليهودية من خلال التبشير (بالمسيح اليهودي) وعند العالم المسيحي بالمسيح نفسه عيسى بن مريم (ع)، وعند المسلمين بالمهدي المنتظر الذي يعاونه المسيح (ع). وتظهر المهدوية أيضاً في الديانات الهندوسية والبوذية وعند الحكماء والفلاسفة القدامى والمحدثين، مثل أفلاطون في الجمهورية والفارابي في [المدينة الفاضلة] و [الملة الفاضلة]، والفيلسوف الإنجليزي توماس مور في [يوتوبيا] أو جزيرة طوبي، وأمثال هذه المدن الفاضلة والجمهوريات المثالية لا حصر لها فهناك [إتلانتا الجديدة] لفرنسيس بيكون و [المدينة المسيحية] ليوهان، [ومدينة الشمس] لتوماز كامبلا وجزيرة كونفيسشيوس لحكيم الصين وغيرها. والأسماء التي وضعوها لهذه الملة أو المدينة ليست خيالية تماماً، بل قائمة على تصورات يؤيدها العلم والدين والآثار كما سوف نبرهن عليه بإذن الله تعالى.

ويختلف اسم القائد الملهم الذي يقود هذه المدن عند الجميع، فهو عند توماس مور (يوتوبوس العظيم)، واسمه مشتق من الجزيرة (يوتوبيا). ومعلوم أن (طوبي) مرحلة تطورية ذكرت في القرآن كونها عاقبة للصالحين من الناس.وقلما نجد أحداً من الحكماء على مرّ التاريخ لم يحاول تخيل المجتمع المثالي الذي يقوده رجل عظيم ومثالي حكيم. ولا يختلف المعاصرون بشيء من ذلك، فقد اقترح الطبيب كارل من فرنسا في عصر الذرة - أخذ نخبة من التلاميذ الأذكياء جداً لتعليمهم أنواع مختلفة من العلوم وحرمانهم من اللهو والعبث ليظهر منهم في الأقل شخص واحد يتقن جميع العلوم قادر على قيادة العالم/ [من كتاب الإنسان ذلك المجهول].

والحق أن هذا لا يختلف بشيء من حيث هو مقترح عما يبشر به النصارى من عودة المسيح (ع) روح الله الجامع لكل العلوم أو ما يبشر به المسلمون من ظهور المهدي الذي ورث من جدة علوم الأولين والآخرين، سوى ان الطبيب مستعجل في العثور على القائد. إن هذا يدل على حاجة البشر الماسة إلى دولة عالمية وحكومة مثالية.

وشارك برتراند راسل في تأسيس الأمم المتحدة وطالب أن يكون للمنظمة جيش قوي بل أقوى جيش في العالم- من أجل تحقيق أدنى قدر من الحكومة العالمية.

ولم يتوقف الأمر على ذلك، فأعداء الديانات التقليديين يتفقون مع الآخرين في ضرورة الحكومة العالمية، فذهب كارل ماركس شوطاً بعيداً في الغيبيات والميتافيزيقية التي أعلن الحرب والبراءة منها- حين أعلن من جهة أخرى أن الطور الاشتراكي أمر مؤقت زائل تحل محله الشيوعية بفضل قيادة مخلصة وواعية، ولم يكتف بالسير على نفس أسلوب التبشير الذي أعتمده الأنبياء، بل زعم أن الناس لشدة ولعهم بالفضائل في مرحلة الشيوعية فإنهم لن يحتاجوا إلى المال ولا المؤسسات الرأسمالية، بل يصل بهم الحال إلى الاستغناء عن القيادة أصلاً- فتذوب الحكومة من تلقاء نفسها..!!.

فأنت ترى أن هذا التصور أبعد بكثير مما سوف يحدث وفق البشارة الدينية على يد المهدي والمسيح (ع)، بل هو عكسه تماماً، فحكومة المهدي وفق المفهوم الديني تترسخ ولا تضعف، ولم يدع أحد أنه سيلغي التعامل بالأوراق النقدية أو يلغي المؤسسات الرسمية!  بل يصنع مجتمعاً فاضلاً يسوده العدل، ليس هو الذي سيضعه، بل المجتمع نفسه حينما يصل إلى مرحلة متقدمة من الوعي الديني والفكري- فالعدل عند أهل الدين نتاج صحة الفكر- وليس نتاج صحة التوزيع للثروة بالقوة كما هو عند ماركس! فكيف تقود عدالة التوزيع إلى تطور فكري يوصل إلى المجتمع الأفضل.. فهذا بمفرده كاف للتدليل على تخليط الرجل وقلبه للموازين وجعله الأشياء كلها معكوسة!.

ومع ذلك لم اسمع من [الأساتذة] الناقدين- ولو تلميحاً إلى إغراق ماركس في الغيبيات والميتافيزيقية، بل السوفسطائية المضحكة، وشنوا حربهم الإعلامية ضد المهدوية الدينية، وكان على هؤلاء بدلاً من ذلك أن يأخذوا كتاباً في علامات ظهور المهدي (ع) الاجتماعية ليتعرفوا على الواقع الاجتماعي الذي يحدث فيه الظهور، بدلاً من أن يجعلوا لنا الحجة في اتهامهم بالجهل المطبق في قضية المهدوية.

وزعم آخرون أن المهدوية أو فكرة وجود منقذ هي رد فعل على الأوضاع الفاسدة التي تسود المجتمعات الإنسانية، غرضها بعث الأمل في النفوس وقتل اليأس في أرواح الناس، فهذا تخليط آخر وتضليل غريب وجمع للمتناقضات في آن واحد فلربَّ سائل يسأل هل الناس على هذا المفهوم يائسون وقانطون أم متفائلون مستبشرون؟ وهل هؤلاء هم أنفسهم أم أهل اليأس قوم وأهل التفاؤل آخرون، وإن كانوا أنفسهم فهل كان اليأس أولاً أم التفاؤل؟.

باختصار شديد إذا كانوا هم أنفسهم، فلا يصدق التبرير الأول  لأن الإنسان الفرد إما بأن يوصف بأنه يائس أو متفائل، وان كانوا غيرهم فهذا موضوعنا ولا موضوع للزاعمين.

وقال آخرون: إن المهدوية أو فكرة المنقذ هي فكرة من صنع خيال بني الإنسان لإسكات روح المعارضة للأنظمة الفاسدة وقتل روح العمل والإصلاح!، فهذا القول كما ترى عكس الأول ولنفس المتحذلقين، والذين لم يقرءوا بكل تأكيد كتاباً واحداً من كتب الأديان الثلاثة بشأن القائد الموعود.

ولو قرءوا  شيئاً يسيراً لمدة ساعتين فقط فإنها تكفي ليفهموا أمراً واضحاً لا مراء فيه وهو أن المنقذ لن يأت أبداً ما لم يمهد لظهوره بالعمل والإصلاح... فكيف خالف هؤلاء رأي علماء الاجتماع من أن المجتمع الإنساني متطور بطبعه يسعى دوماً لما هو أفضل؟ وكيف لم يقولوا هذه المقالة لماركس؟ وكيف زعموا أن الفكر المادي واقعي - وهو غارق إلى أذنيه في الخيالات، ووصموا الفكر الديني الذي هو الواقعية بعينها- وصمّوه بالطوباوية والصفات الخيالية؟ نعم إن للدين عالماً مستقبلياً واقعياً ولكنه للأسف قد شوه تشويهاً كبيراً. إن للدين عالماً آخر يؤمن به هو عالم الغيب، ولكن المهدوية هي طور دنيوي سوف ترى في الكتاب ان القرآن استخدم المصطلحات الدنيوية والواقعية بشأن المهدوية واستخدم الإيمان بالغيب لوصف الآخرة التي هي المقصود من الغيب- الآخرة التي بعد القيامة. فثمة آخرة للحياة وثمة آخرة للكون كله.

ولكن هؤلاء معذورون- فقد أكبوا على قراءة رأس المال و(ما العمل) وحفظوا فقرات مطولة منها- لكنهم رغم (إسلامهم) لم يتمعنوا بقراءة واحدة كاملة لكتاب الله!! فكيف سمح هؤلاء لأنفسهم بمهاجمة الفكرة المهدوية في الدين- وحكومته العالمية الموعودة- ولم يفعلوا نفس الشيء في ما يطالب به قادة ومصلحون في الغرب من تأسيس حكومة عالمية؟.

إن أسوأ حالات الاستلاب الفكري هي حينما تنعدم ثقة الطليعة من الأمة بتراثها وفكرها الديني لدرجة مضحكة مثل هذه، فكل ما يأتي من هناك يصدقوه ويجلوه وكل ما يخرج من تراثهم وعقيدتهم يعرضوا عنه ويستصغروه، فأكرم بهم من طليعة مثقفة!!.

ومن المعلوم أن دعوات الغرب هذه- أكثرها إن لم تكن جميعها ليست تدعوا للحكومة العالمية العادلة بحق- وإنما تدعو دعوة سياسية واقتصادية- لترسيخ هيمنة الغرب الرأسمالي وحكومة استلاب عالمي مستغلة هذا الشعور الإنساني العارم بمثل هذه الضرورة البشرية.

إن رغبة البشر قوية جداً في الحصول على حكومة عالمية وتظهر هذه الرغبة الآن جلية في عالمنا المعاصر بمحاولة الدولة النامية خاصة بدعم المؤسسات الدولية مثل منظمة العفو الدولية ومحكمة العدل الدولية والسلم العالمي ومنظمة الأمم المتحدة- ويزداد التأكيد من قبل شعوب وحكومات المجتمع الإنساني على مبادئ معينة بسبب الذعر من الحروب وعمليات الغزو الاقتصادي والسياسي واحتمال التدهور والخوف من وقوع ما ليس في الحسبان، مثل مبادئ

(التعاون الاقتصادي) و(عدم التدخل) و(التعايش السلمي) و(الحد من الأسلحة) ودعم صناديق كثيرة دولية الاتجاه كالصندوق الدولي وصندوق التنمية- ومحاولة التقارب بالأسواق المشتركة- بل والمطالبة بنظام اقتصادي عالمي- ليشكل ركيزة من ركائز السلم في العالم والعيش المتكافئ...

هذه المصطلحات والأفكار والمبادئ والمؤسسات بمفردها. وكثرة الحديث عنها يكفي للتنويه عن الأهمية البالغة التي يشعر بها سكان المعمورة للحكومة العالمية.

إن الشعور العام لدى الشعوب والحكومات- هو الترحيب بـ(نظام اقتصادي عالمي) و(جيش عالمي)، ولكنها في نفس الوقت تشك إن كان للمترفين والمتحكمين بهذه النظم أي التزام أخلاقي. إن تأكيد الإعلام الغربي على الجانب الأخلاقي في نشراتها الإخبارية وتعليقاتها إنما يظهر بجلاء طعن شعوب العالم في مصداقية النظام الرأسمالي في قيادة العالم وتحقيق العدل، وذلك بعد أن تحدث البعض عن أحلام مثل أن يتمكن زعيم أخلاقي بالفوز بالانتخابات الأمريكية فيكون هو القائد العالمي الذي انتظرته البشرية طويلاً..! فبإمكانه إذا خلصت النوايا توسيع دائرة تلك المنظمات الدولية وتقويتها تمهيداً لجعل العالم عائلة واحدة تنعم بالرخاء.

إن إلقاء نظرة واحدة فاحصة إلى واقع النظام الغربي تبين مدى بعد هذا الاحتمال عن التحقق في أرض الواقع، وهو أمر لا يأمل الغربيون أنفسهم بتحقيقه وفق الهيمنة المطلقة لعبيد المال على الانتخابات.

إن المهدوية بمفهومها العام تمثل حاجة حقيقية وواقعية ولا يشك أحد في تحقيقها يوما ما- وهو يرى ويعيش الآم البشرية وهدر ثروتها- وإن جرى التعبير عنها بصيغ مختلفة- ولا يوجد أي مبرر فلسفي أو علمي لرفضها- بل على العكس من ذلك تتوافر كل المبررات لتحقيقها- وهو ما صرح به كل مختص يعيش هموم المجتمع الإنساني في قرارة نفسه، بل أن رفضها ومحاربتها هو رفض ومحاربة لآمال البشرية وجهدها المثابر في الوصول إلى مجتمع عالمي يسوده العدل. ومن أجل ذلك لا يتمكن حتى عبيد المال ورؤوس الاستغلال في الغرب من رفضها- لوعي تلك الشعوب لأهميتها فحاولوا ويحاولون إعطائها صبغة أوروبية أو مسيحية واصمين شعوب العالم كلها وبالأخص المسلمين بالوثنية جامعين في عين الوقت بين مفهومها الديني المسيحي واليهودي ومفهومها الغربي المادي- ومن أجل استغلال هذه العقيدة لتحقيق الهيمنة المطلقة على العالم... عسكرياً واقتصادياً- مشوهين ومحرفين حقائق في العهد القديم وفي الإنجيل تبشّر بالقائد الموعود وتضع له علامات كونية وسياسية كما سنرى في البحوث اللاحقة.

ويكمن الخطر المحدق بنا الآن في هذه القضية بالذات.. فالصراع بين المهدي (ع) الموعود والمسيح (ع) من جهة وبين القوى الكافرة من جهة أخرى يأخذ شكلاً عقائدياً وفكرياً محضاً في تراث الأديان الثلاثة.. ويريد الغرب الآن أن يحول شكل هذا الصراع إلى صراع مذهبي وقومي وجغرافي كما هي عادتهم في التحريف.

إن هذا الكتاب ليس مخصصاً للمسلمين خاصة بل هو للمسلمين عامة بمعنى أنه لجميع المؤمنين بشرائع الأنبياء السابقين بغير ما تحريف وهم أمة عظيمة كثيرة العدد- ليبرهن لهم فيه ان أعداء القائد الموعود ليسوا شعباً بعينه ولا أمة بعينها ولا أصحاب دين معين بعينه- إن أعداءه هم المنحرفون الذين يعبدون غير الله من كل دين وملة ومكان وأن أعوانه هم الذين أسلموا لله من كل ملة ودين ومكان فهو قائد عالمي يؤمن بجميع الأنبياء والرسل (ع) ولا بفرق بين أحد منهم ويقيم جميع ما أنزل إذ ليس فيما انزل الله شيء يناقض بعضه بعضاً، وإن عليهم أن لا يكونوا ضحية الإعلام الغربي والمضلل فيهلكوا.. فنحن لا نقول أن المهدي (ع) يهلك اليهود أو ينتقم من النصارى.. بل نقول أنه يهلك كل من لا يعبد الله أو اتخذ من دونه وثناً أو هوى أو مالاً أو أحباراً أو رهباناً أو رجال دين أو أصناماً ظاهرة أو أصناماً خفية أو طواغيت ينفذ أوامرهم ويدين بشرائعهم ولو كان من الأمة المحمدية.. بل يبدأ بهذه الأمة فيطهرها ويوضح الاختلاف الذي فيها ويبين ما اندرس من معالمها.. لا يفرق بين إنسان وآخر الاّ بما اعتقده- وهذه هي صفته في التوراة والإنجيل..!.

فكيف رضي هؤلاء بترك الكتب المنزلة وقنعوا بما يبثه لهم الإعلام الغربي عبر شاشة التلفزيون بالكنيسة المرئية..! هاهو الإعلام قد جلب لهم الكنيسة إلى بيوتهم ويشرح لهم الإنجيل والتوراة وبشارتهما بالقائد الموعود على النحو الذي يريده فأعداء القائد في هذا الإعلام هم (المحمديون)- والعرب!.

والقائد الموعود سوف يقضي على المسلمين والعرب! نعم إن القائد سيقضي على طغاة العرب ولكنه أيضاً يقضي على طغاة أوروبا! فليكن لهؤلاء عقول يفكرون بها- فالقائد الذي بشرّ به الأنبياء جميعاً ليس قومياً ولا يهودياً ولا نصرانياً ولا هو من الأرض الجديدة ولا من أرض الميعاد! أنه رجل أسلم وجه لله مثل جميع الأنبياء ويضرب الخلق جميعاً حتى يسلموا وجوههم لله وحده!.

إن قضية التوحيد هي قضية الخلق والوجود وهي قضية جميع الأنبياء وجميع الكتب بل هي قضية السياسة والحروب والصراعات.

إن مشكلة البشرية التي يبحث زعماء العالم عن حل لها ليست في الثروات التي في الأرض وهي تكفي لإضعاف هذا العدد من البشر، وليست في التقدم العلمي وقد بلغ أشواطاً عظيمة- إنما هي في القيادة العالمية ذات العقيدة الراسخة والفكر الأخلاقي الذي يتمكن من تقسيم هذه الثروات بشكل عادل ولا يفرق بين الأمم والشعوب إلا بمقدار إيمانهم بهذا الفكر.

ولن يتحقق ذلك إلا بتصور منهجي وعقيدة أخلاقية لها مبدأ موحد للناس منبثق من الطبيعة البشرية وملائم لفطرتها السليمة يلتزم به الجميع ويؤمنون به إيماناً حقيقياً ويشعرون به شعوراً أخوياً يجعل من هذا الهدف عندهم غاية فوق كل غاية.

ومن الواضح ان الرأسمالية وهي فكر مادي محض في بناهُ التحتية والعليا لا يصلح لمثل هذه المهمة الضخمة إنسانياً وفكرياً وأخلاقياً.

نظرة واحدة إلى اتفاقات الدول السرية وطبيعة التدخل الغربي فيها يبرهن أن أبعد الناس عن القيادة العالمية ذات السمة الأخلاقية هو النظام الرأسمالي وقادته بل أن برامجه  الحالية والبعيدة المدى، وضعت أصلاً في قائمتها تأجيج الحروب المحلية ومشاكل الحدود وتفتيت العالم وتقسيم قومياته وشحن العداوات بين شعوبه، وخلق مناطق للتوتر- ومعلوم أن هذا يحتاج إلى تمويه وكذب وتزييف للحقائق كما يحتاج إلى مؤسسات خاصة وميزانيات عالية للنفقات! فهل يصلح نظام يدفع أموالاً ضخمة للتحريف والكذب في قيادة العالم؟؟.

2- البعد الكوني للمهدوية (تعدد العوالم)

تعدد العوالم في المأثور الديني:

الذين ينتقدون الدين جهلاً، هم أبعد الناس عن النظر في المأثور الديني والتأمل في نصوصه، بل يبدو أن الغرب أكثر منهم جديه في دراسة تاريخ الأديان، ويكفي أن تذكر أول معجم لفظي للقرآن وضع من قبل الألماني [فلوجيل]، فكأنه هو الذي بدأ عملياً تطبيق طريقة الإمام علي (ع) في تفسير القرآن بعضه ببعض ومع ذلك فقد ظل هذا المعجم حلم الكثيرين في الحصول عليه. وكذا فعلوا في دراسة النصوص الدينية المأثورة بخلاف علماء الأمة الذين اعتنوا فقط بالمعاني الظاهرة.

إن الكون في نظر الأقدمين هو قبة فلكية عُلقّت فيها النجوم كما تعلق المصابيح وهي تدور حول الأرض. والفلك عندهم أشبه بطبق أو سكة تتحرك فيها النجوم، وقد وجدوا أربعة كواكب تغير مواضعها فسموها الدراري أو الكواكب السيارة وهي المرئية بالعين المجردة من المجموعة الشمسية، وهذا هو كل الفلك عند بطليموس. وعند البعثة المحمدية توالت النصوص القرآنية والنبوية ونصوص أهل البيت (ع) وبعض الأصحاب العلماء (رض) في نسف هذا المفهوم عن الفلك جملةً وتفصيلاً. فأشارَ القرآن بعبارات محكمة إلى النظام السباعي للكون، وإلى التكوير، وإلى دَحو الأرض وإلى تابعية القمر للشمس وإلى سباحة الجميع في الفلك، وإلى توسع السماء، والى تفجرها أو تفتتها بعد الرتق، وإلى كونها أصلاً من غازات "واستوى إلى السماء وهي دخان"، وإلى هوي النجوم واندثارها، وإلى طمسها وحلف مرات عديدة بالسماء والنجوم ومواقعها، وأشار إلى وجود أعمار وآجال لها... إلى غير ذلك من الإشارات والعبارات التي تناقض المعلومات القديمة مناقضة تامة. وأشار القرآن كذلك إلى ان الشمس حارة ونارية (سراجاً) أو (ضياءً) والضياء عند العرب هو ضوء النار وإلى برودة القمر (والقمر نوراً) كما أشار إلى تعدد العوالم وكثرة المخلوقات في السماء "وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حراساً شديداً وٍشهباً" أو كقوله "ولا يعلم جنود ربك إلا هو" وقوله "ويخلق ما لا تعلمون".. وإلى حركة الشمس (والشمس تجري) إلى حركتها الدائمة (تجري لا مستقر لها) حسب قراءة أهل البيت (ع). وإلى تفلطح شكل الأرض (والأرض بعد ذلك دحاها)، فقال الصادق (ع) جعلها كالدحية والدحية هي البيضة. وهناك العشرات من الإشارات العلمية المختلفة يأتيك بعضها في هذا الكتاب.

ومنذ (كوبر نيكوس) توالت الاكتشافات العلمية في الفلك، حيث لوحظ أن السماء واسعة جداً وتتوسع باستمرار مثل بالون ينفخ بصورة مستمرة وإنها مليئة بالنجوم وإن ما نراه من نجوم هي شموس بقدر شمسنا وأكبر تحتوي عليها المجرة التي تقع مجموعتنا الشمسية في طرفها. وأقرب المجرات إلينا بروميدا التي تبعد مليون ونصف سنة ضوئية. ولوحظ أن المجرات تتشكل سوية وتميل إلى التجمع على شكل عناقيد فنحن بمجرتنا و(17) مجرة أخرى تشكل العنقود المحلي.. والذي تتناثر في الكون مثله الآلاف العناقيد. وتميل العناقيد إلى التوزيع المتجانس ويشبهها (برتراند راسل) في كتاب النسبية بقطرات المطر على صفيح الزجاج، وإن عددها في كل مساحة متساوٍ. إذن فالمجموعة الشمسية بكواكبها وأقمارها هي أصغر نسبة من الخاتم الذي في إصبعك إلى الصحراء إذا رميته فيها.

وهذا التشبيه هو تشبيه الرسول (ص) إذ رمى خاتمه في الصحراء وأشار إلى أن السماوات والأرض إلى الكرسي كهذه الحلقة في هذه الفلاة، والكرسي إلى العرش كهذه الحلقة إلى هذه الفلاة.

إن هذا التصور العلمي عن سعة الكون أمر سابق لأوانه بأكثر من ألف عام. بل أشاد هو (ص) وأهل بيته (ع) إلى تعدد العوالم وتعدد الكائنات وتعدد الشموس والأقمار... وأن منها الآلاف الآلاف...! وكل ذلك في عصر كان يدين فيه علم الفلك لمعلومات بطليموس حول القبة!.

المهدوية ليست إذن أمر متوقع حدوثه على الأرض وحدها! بل هو قانون جار في العوالم الأخرى كما تشير الروايات.

بمعنى آخر أن الله خلق عوالم متعددة وبنظم مختلفة، وإن بعضها ربما يمر بالطور المهدوي سابقاً البشرية على الأرض.

وسنرى في جملة الأحاديث الآتية إن الإمام الصادق (ع) يوبخ أحدهم على تصوراته الضيقة عن الكون.. ويشير إلى جهة المغرب لكوكب فيه خلق لا يعصون الله ما أمرهم وبإمكاننا أن نفهم أن هؤلاء يمرون بطور الاستخلاف الذي سيأتيك بيانه خلال الكتاب.

إن أحاديث تعدد العوالم وتعدد الخلق في المأثور الإسلامي كثيرة جداً. ويبدو أن هذه المعلومات كانت غريبة على الأسماع غرابة أفكار غاليلو لأول مرة. وقد حاول علماء كبار صرفها عن معانيها الظاهرة- لمخالفة بعضها مخالفة صريحة لعلم الفلك القديم- فلم يتمكنوا. وأذعن آخرون لنقلها والتسليم بها لاعتبار عصمة قائليها فقط، ولو كان غيرهم قائلها لأهملت.. وهذه جملة من النصوص كأمثلة:

الحديث(1):

في كتب بحار الأنوار، ومجمع البيان، وتفسير البرهان، سئل الرضا (ع) عن السماوات السبع والأرضين السبع فبسط كفه اليسرى ووضع اليمين عليها فقال "هذه الأرض الدنيا والسماء الدنيا فوقها عليها قبة- والأرض الثانية فوق السماء الدنيا  والأرض الثانية فوقها قبة.. والأرض الثالثة فوق السماء الثانية... الخ".

من الواضح جداً أن التعبير القرآني "ومن الأرض مثلهن" أي سبع أرضين كان يفسر عندهم أنها أسفل أرضنا أو أنها طبقات تحتها!.

وأوضح الإمام (ع) بشكل لا لبس فيه إن هذه كواكب منفصلة كل كوكب بسمائه وبعضها فوق بعض.. فالسماء هنا معناها الغلاف الغازي أو فضائها المحيط بها. عدّد الحديث سبع أرضين وسبع سماوات وذكرناه مختصراً، ولذلك فوجئ السائل فسأل ثانية: "فما تحتنا إلا أرض واحدة؟! قال نعم ما تحتنا إلا أرض واحدة. وأن الست لهن فوقنا".

ثم أنظر إلى دقة العبارة الأولى: فوقها عليها- إذ يبدأ الغلاف الغازي من السطح مرتفعاً إلى الأعلى.

إن هذا الحديث يؤكد لنا أن الست المقصودة بفوقنا هي الكواكب الخارجية في المجموعة الشمسية- المريخ، المشتري، زحل، أورانوس، نبتون، بلوتو. فإن تصور الوضع العمودي للمجموعة نسبة إلى المجرة يجعل الست فوق الأرض والزهرة وعطارد أسفلها. فهو لم ينف وجود أسفل الأرض أرض أخرى بل ينفي وجود أرض أسفل أرضنا ضمن السبع المذكورة في القرآن- ولذا قال موضحاً وأن الست لهن فوقنا!.

وكيف يتمكن الإمام من إعطاء المزيد من المعلومات- والعلماء والفلكين الفقهاء احتاروا في هذا الحديث حتى بعد سبعمائة سنة.

قال العلامة المجلسي وهو من أشهر علماء الإمامية بعد نقل الخبر: "ولما كان هذا الخبر مخالفاً للحس والعيان فيمكن تأويله"... وذكر له وجوهاً من التأويل.

وقال الجزائري من علماء الشيعة ولا يخفي ما فيه من الأشكال وعدم إمكان تأويله لينطبق على الأخبار وظواهر الآيات وعلى أقوال الحكماء والرياضيين، وهذا لا يوجب رده بل يجب التسليم". والعبارة الأخيرة واضحة لوثاقه السند وكونه صادر عن المعصوم (ع) حسب قواعدهم.

واستدل به (هبة الدين الشهرستاني) من المعاصرين على أن الأرضين هي كواكب مجموعتنا الشمسية في كتابه (الهيئة والإسلام).

ونضيف هنا: أن العلماء لو كانوا يدرسون الآيات القرآنية بمقارنة ألفاظها بعضها ببعض لما وجدوا الحديث مخالفاً لها بل لوجدوه سائراً بنفس اتجاه القرآن.

لقد ذكر القرآن السماوات (190) مرة ولكنه لم يذكر السبع إلا تسع مرات فهل يشير ذلك إلى العدد الحقيقي للسيارات عند إضافة الزهرة وعطارد حيث يصبح المجموع الكلي تسعة كواكب كما هو المكتشف حالياً من كواكب محاطة بغلاف غازي؟.

الحديث (2):

مجموعة أحاديث عن تعدد العوالم وأن السماوات السبع والأرضين السبع ما هي إلا في عالم واحد من تلك العوالم- هو عالم الدنيا! يتكرر الرقم 18 هنا بوضوح كاف للبرهنة على أن الحديث يوضح أمر العنقود المحلي:

في كتاب السمرقندي نقلاً عن الهيئة بسنده عن النبي (ص) قال: "إن لله تعالى جدّه ثمانية عشر ألف عالم الدنيا منها عالم واحد".

وفي تفسير ابن شهراتوب عن النبي (ص) قال "إن لله ثمانية عشر ألف عالم أحدها الدنيا".

إن مجرتنا تحتوي على مائة ألف نظام شمسي، والدنيا تعبير عن الكون المرئي بالعين ولا يرى منه سوى القليل من المجرات الأخرى السبعة عشر إضافة لمجرتنا فإذا كان كل مائة نظام تشكل عالماً فالعنقود المحلي يحتوي بالفعل على ثمانية عشر ألف عالم لأنه يحتوي على (18) مجرة.

الحديث (3):

في البحار ومشارق النوار عن الإمام السجاد(ع):

"أتظن أن الله تعالى لم يخلق خلقاً سواكم؟ بلى والله لقد خلق الله ألف ألف عالم وألف ألف آدم وانتم والله في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين"

وفي كتاب التوحيد وكتاب نور المقلين عن الباقر (ع) قال:

"لعلك ترى أن الله تعالى إنما خلق هذا العالم الواحد أو ترى أن الله لم يخلق بشراً غيركم؟ بلى والله لقد خلق الله تبارك وتعالى ألف ألف عالم وألف ألف آدم وأنتم والله في آخر تلك العوالم".

إذا كان الإمام (ع) يقصد بآخر تلك العوالم التأخير الزمني فهو شيء نجهله وإن كان يقصد الموقع الجغرافي من الكون- فنحن في الطرف الأقصى لذيل من ذيول مجرة درب التبانة بالفعل.

"لقد خالف الإمام علي (ع) قول المنجم وسار إلى الخوارج بخلاف قوله ومما قال له يومئذ "البارحة سعد سبعون ألف عالم وولد في كل عالمٍ سبعون ألفاً". إن هذه الأرقام يقصد منها تثبيت فكرة تعدد العوالم وسعة الكون!.

لا أحد في العصر الحديث يبدو أنه يمكنه التصديق بأن هذه الملايين من النظم التي تدور حولها المليارات من الكواكب بعضها بقدر الأرض وبعضها أكبر منها بألف مرة- ليست مسكونة وخالية من أية مخلوقات!.

ولولا هذا الشعور لما أرسلت وكالة الفضاء رسالة بخمسين لغة حية وفيها تراتيل من الكتب الثلاثة إلى سكان الكواكب تطلب فيها إليهم عدم مهاجمة الأرض وضرورة [التعايش السلمي]!!. ولا يزال العلماء يستلمون إشارات واضحة على وجود سكان في كواكب قريبة أو بعيدة.

أما الاختلاف المناخي فلا يوجد أي مانع عقلي من تصور وجود كائنات لها نظم خاصة تلائم طبيعة تلك الكواكب كما يلائم الإنسان طبيعة الأرض.

لقد أوضحت النسبية الحديثة أن الفوق والأسفل واليمين والشمال والحار والبارد إنما تحسب من نقطة القياس والمبدأ.. فقد تجد هناك كائنات تكون درجة الصفر المئوي عندهم هي درجة الغليان عندنا.. وبالتالي فلو نزلوا إلى الأرض لماتوا من شدة البرد.

إن نفس هذه المصادر هي التي تتحدث عن وجود كائنات أخرى في الكواكب وأن بعضها يمر بالطور المتقدم جداً. الطور المهدوي- وبعضها الآخر لازال في مرحلة الصراع الفكري والعقائدي- وأن لهذه الكائنات أنبياء ورسل ومبشرين.

هذه جملة من تلك الأحاديث:

الحديث رقم (4): في دائرة المعارف ومعجم البلدان عن النبي (ص) في معنى ومن الأرض مثلهن قال: [... وفي كل أرض آدم مثل آدمكم ونوح مثل نوحكم وإبراهيم مثل إبراهيمكم].

الحديث (5): في بحار الأنوار عن ابن عباس قال [سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوحكم].

الحديث (6): في تفسير القمي والبحار جـ 14 عن أمير المؤمنين [هذه النجوم التي في السماء [فيها] مدائن مثل المدائن التي في الأرض].

الحديث (7): في الفتوحات المكية والأنوار النعمانية عن ابن عباس (ض) قال [... وان في كل من الأرضين السبع خلقاً مثلنا].

الحديث (8): في كتاب بصائر الدرجات والبحار عن ابن أبي عبد الله (ع):

[إن خلف مغربكم هذا تسع وثلاثون مغرباً أرضاً بيضاء مملوءة خلقاً يستضيئون بنوره لم يعصوا الله تعالى طرفة عين].

الحديث (9): في الدر المنثور عن النبي (ص) [... أرض بيضاء خلف المغرب فيها خلق من خلق الله لم يعصوا الله طرفة عين، فقيل يا نبي الله أهم من ولد آدم قال (ص): لا يدرون خُلق آدم أم لم يُخلق].

الحديث (10): في كتاب الفقيه للنيسابوري عن النبي (ص) قال: [خلق الله تعالى أرضاً بيضاء مثل الدنيا ثلاثين مرة لا يعلمون أن الله تعالى يعصى طرفة عين].

إن الأحاديث الآنفة تعدد أنواعاً مختلفة جداً من المخلوقات، بعضها من آدم آخر وبعضها لا يدري خلق آدم أم لم يخلق والبعض الآخر لهم أنبياء ورسل، في حين تشير الأحاديث 8، 9، 10 إلى خلق وصلوا مرحلة العبودية الحقة لله. فلا يعصون الله طرفة عين.. وهي مرحلة المهدوية.

ذلك أن الخالق لهذه العوالم واحد والغاية من الخلق واحدة.. وهي العبودية الحقة للخالق الواحد. لأن الخضوع التام للمبدأ الحق الواحد هو أعلى درجة للمتحرر من العبودية المتعددة (عبودية الموجودات).

ولهذا السبب أكدت الأحاديث على أن أرضهم بيضاء- مليئة بالأنوار ولا حاجة لهم للشمس.. لأن مرحلة العبودية الحقة- تجعل الخالق هو الذي يرزقهم: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يُطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين". ومعنى أن الله يرزقهم هو قدرتهم على تسخير الموجودات عن طريق المعرفة الإلهية. وتشير النصوص الى تحقق نفس الأمر من تغير طبيعة ونزول البركات والاستغناء عن ضوء الشمس عند تحقيق المهدوية على الأرض. وتحول الأرض إلى جنات [وأرضاً كفاتورة الفضة] حسب أحد النصوص، مما يدل على الترابط الوثيق بين الأمرين وشمول الجميع بنفس القواعد.. وهو أمر سنبين تفاصيله قرآنياً بإذن الله تعالى في المواضيع اللاحقة.

ويدل التنبيه إلى عدم عصيان هذا الخلق إلى توجيه اللوم من قبل النبي (ص) والإمام (ع) إلى المخاطبين- وهم نحن- لنكون أمثالهم، وهذا لا يكون صحيحاً إلا إذا كانوا قادرين في الأصل على العصيان، ولكنهّم لا يعصون اختياراً لا (قهراً).. وهذا هو غاية الله تعالى من الخلق- الذي سماه الخليفة، فهؤلاء إذن وصلوا إلى مرحلة الاستخلاف في الأرض والطاعة الكاملة وهي مرحلة المهدوية- والتي سنبرهن قريباً بإذن الله على حتميتها.

إذن فالمهدوية ليست حلم البشر على الأرض وحدهم، بل هي قانون إِلهِي شامل لأجزاء الكون.. تمر به المخلوقات تباعاً.. والذي يمر به أولاً.. ربما استطاع مساعدة الآخرين في الوصول إليه.. بمعنى أن هذه العوالم رغم المسافات السحيقة بينها فإن هناك اتصالاً بينها من نوع ما.ولكن الاتصال بين الكواكب والعوالم ليس دائمياً.. فإنه ينقطع لفترات معينة حين لا يوجد بين أعضاء مجموعة من الكواكب أحد يمر بالطور المتفوق.. ويحدث بدلاً من ذلك تمهيد على صعيد محدود يخص خلفاء الله وحدهم- حيث يقومون بالتنسيق والزيارات لأصفياء وخلفاء جيرانهم- وفي القرآن توجد خمس إشارات ورحلات من هذا النوع.. بيد أنها حجمت مضامينها وأخفيت أسرارها تحت ركام التفاسير.. وذلك لقصور إدراك أكثر المفسرين- لسعة الكون، وعالمية الرسالة وشمولية هذه النظم بنفس السنن والنواميس. وسوف نحاول التعرض لبعض هذه الموارد في القرآن الكريم.

3- البعد الكوني للرسالة السماوية

أ. المفهوم المتعدد لمعنى البشر:

يبدو أن الاعتقاد السائد بأن البشر يقصد به النوع الإنساني على الأرض فقط هو اعتقاد خاطئ.. فقول الإمام (ع) في الحديث [أتظن أن الله لم يخلق بشراً سواكم..] يدل على أن البشر أجناس كثيرة وأن أهل الأرض نوع منها واحد.

فإن قال أحد أن الإمام يقصد بالعبارة خلقاً آخر- فنقول أنه قادر على تحديد ما يريد بدقة- ألا تراه حين ذكر الخلق الذين لا يعصون طرفة عين سماهم خلقاً ولم يسمهم بشراً.. على أن الأدلة الآتية تعضد هذا المعنى العام للبشر بل وتفك بعضاً من رموز القرآن. ومثال على ذلك الرواية الآتية:-

الحديث (11): في [قضاء أمير المؤمنين] عن علي (ع) قال:

[كل البشر من ولد آدم إلا يأجوج ومأجوج] .

الحديث يبين أن يأجوج ومأجوج بشر لكنهم ليسوا من ولد آدم فالنتيجة أن ولد آدم أصل أنواع البشر المتعددة.

دقق مرة أخرى في الحديث حسب مقتضيات المنطق، فالاستثناء لا يمكن أن يكون من قسمي المقدمة.. فيدل ذلك على أنهم بشراً وأن آدم والداً لجميع البشر إلا يأجوج ومأجوج. إذن فالبشر أنواع كثيرة تحدّرت من آدم واحد أو أوادم كثيرة- الجامع بينهم كلهم [آدميون]- بمعنى أنهم خطة الخالق في استخلافهم في الأرض- فيشملهم في هذه الحالة سجود الملائكة واعتراضهم على الاستخلاف وامتناع إبليس.

وهكذا تتوضح الأحاديث التي تدل على الأوادم في العوالم المتعددة مثل [ألف ألف آدم]- كما تتوضح معاني النبوي [لا يعرفون خلق آدم أم لم يخلق]. الذي يخص جنساً آخر من الخلق ليسوا من ولد آدم.

إن المفهوم المتعدد لمعنى البشر يفك لنا الكثير من الرموز الغامضة من الآيات القرآنية ومن الحديث كما سنرى قريباً بإذن الله.

ب. البعد الكوني للرسالة:

حينما يكون القانون التطوري للخلق البشري واحداً في عدد من العوالم وحينما يكون هناك أنبياء ورسل للتمهيد للطور المهدوي- لابد إذن من اتصال من نوع ما بين تلك العوالم، وفي الأقل للأنبياء والرسل وحدهم ليكون لديهم تصور شامل عن تلك العوالم... ومن أجل أن يروا بأعينهم حتمية الوصول إلى هذا الطور من خلال إطلاعهم على المجتمعات المهدوية في الكواكب الأخرى.

ومن أجل ذلك كان لإبراهيم (ع) جولة في تلك العوالم:

[وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين] الأنعام/75

أي ليكون من الموقنين بحتمية ظهور الدين ووصول أهل الأرض إلى مرحلة الاستخلاف التام في الطور المهدوي فمن أجل ذلك قال..[واجعل لي لسان صدق في الآخرين]- يريد المشاركة في صنع هذا الطور لعلمه بتأخره الزماني فأجيبت دعوته في سورة أخرى [وجعلنا له لسان صدق عليا]. ثم قال [وتركنا عليه في الآخرين].. ثم طلب أن يكون خاتم الرسالات من ذريته، وقائد الطور المهدوي من ذريته فقال الله [أي جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي]. فكان النبي (ص) يقول [أنا دعوة إبراهيم].

لقد دعا نوح عالماً واحداً ومع ذلك فقد قال الله تعالى [سلام على نوح في العالمين]. وكان إبراهيم (ع) من شيعة نوح (ع) [وإن من شيعته لإبراهيم]. فسلام على نوح في جميع العوالم التي فيها مثله أو نفسه دعا فيها بنفس دعوته. والعالمين مصطلح تحير فيه العلماء وتناقضوا ففي قوله تعالى الحمد لله رب العالمين قال البيضاوي [والعالم أسم لما يعلم به الصانع وهو كل ما سواه من الجواهر والأعراض]، ولكنه لا يطبق هذا المعنى وكذلك جميع المفسرين على قوله مثلاً [وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين]- حيث جعلوا كل إنسان عالم بمفرده ليحصل الجمع.

لكن الحقيقة هي أن الرسول هو واحد لجميع عوالم البشر- يختم أنبياءنا وأنبياءهم- فعالمية الرسالة المذكورة في القرآن إنما تشير إلى أن الرسالة الخاتمة واحدة للجميع ولهذا كان كتاب الرسالة الخاتمة تبياناً لكل شيء وتفصيلاً للذي بين يديه من الكتاب.

ففي قوله تعالى [هو الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا] إشارة واضحة إلى مهمة الرسالة الخاتمة ومهمة عبده (ص) في إنذار العوالم الأخرى القريبة. وسوف يأتي بيان ذلك خلال الروايات.

وفي قوله تعالى [إنها لإحدى الكبر. نذيراً للبشر]. أي جميع البشر الذين هم أجناس مختلفة في عوالم متعددة. وهذا لا يحدث بالطبع إلا بعد ظهور الدين على الأرض كافة، وحدوث اتصال واسع مستقبلاً وهو ما أكدته روايات صحيحة أخرى. ومن هنا نفهم سبب الاختلاف في الصيغ القرآنية عند الخطاب بعبارة [يا بني آدم] عن الخطاب بصيغة [يا أيها الناس]. حيث بني آدم أكثر من جنس في عوالم متعددة.

ولم يكتفِ بذلك فشمل الإنذار والتبشير الجن باعتبار قربهم من الأرض رغم أنهم ليسوا من ولد آدم ولا من البشر- فيكون غيرهم من ولد آدم أولى بالإنذار والبشارة، وخصصت سورة باسم الجن وتم إنذارهم بالقرآن أسوة ببني آدم.

وهذا هو الذي يفسر تفضيل الرسول (ص) على الجميع وكونه سيداً لجميع الكائنات مما أجمعت عليه الأمة وأيده المأثور ولاحظناه في معنى البشر من كتاب (أصل الخلق). كما أنه يفسر لنا امتلاكه ناصية الأمر في القيامة - حيث تحشر جميع الخلائق على صعيد واحد. فلولا أنه الرسول الخاتم لرسالتهم والشاهد على رسلهم لما كان يستحق المقام المحمود على الخلائق بأسرها.

وهذا يفسر أيضاً تفضيل بني آدم على كثير ممن خلق كما نص عليه القرآن. ومن هنا أيضاً صح أن يقال أن الله خلق الخلق لأجله (ص)- بمعنى أنه خلقهم لأجل تطبيق شريعته وصولاً إلى تلك العوالم المثالية.

وهذه مجرد إشارات للتمهيد يأتيك بيانها التفصيلي لاحقاً- لأن هذا البحث بكامله هو برهان على تلك القضية.

من هنا نفهم أن مهمة المهدي (ع) هي إيصال جنس الإنسان على أرضنا إلى مرحلة الإذعان للشرع السماوي تمهيداً للقيام بعملية الإنذار الأكبر والاستمرار بالدعوة على صعيد النظم الفلكية المجاورة.

وهذا يعني أن المهدوية على الأرض تستمر حقباً طويلة بعكس ما قيل عن بقائها سبعة أعوام أو أربعين سنة. وسوف نرى قريباً أن المهدوية في مأثور أهل البيت (ع) ذات حقب طويلة جداً. ونؤيد ذلك بأدلة قرآنية واضحة، حيث سنرى أن الآيات التي ذكرناها هنا من سورة الفرقان والصافات والمدثر ذات علاقة وطيدة بعلامات الظهور وبالطور المهدوي. ولا نعجز عن العثور على أحاديث تؤكد قيام [المهدي] (ع) بالدعوة في الكواكب بعد إتمام سيطرة الدين على كافة بقاع الأرض منها مثلاً:

الحديث (12): في بصائر الدرجات عن الباقر (ع) قال:

[ذُخرَ لصاحبكم الصعب. قال. قلت وما الصعب؟ قال من سحاب فيه رعد وبرق وصاحبكم يركبه. أما أنه سيركب السحاب ويرقى في الأسباب أسباب السماوات السبع والأرضين السبع، خمس عوامر واثنتان خراب].

الحديث يوضح قيامه بالمهمة على صعيد المنظومة الشمسية، لكن النظام السباعي العام للكون- يجعلنا نتصور إمكانية حدوث الإنذار إلى مناطق أبعد.

فالرسول (ص) في المعراج ارتقى في الأسباب إلى أبعد من ذلك بما لا يتصوره عقل، حيث بلغ السدرة، وتمكن من الإطلاع على ما هو أبعد وأوسع من الملكوت الذي اطلع عليه إبراهيم (ع). ولا يمكن أن يكون هذا الإنذار لتلك الأقوام مفاجئاً- إذ لا بد من تمهيد سابق للدعوة.

إن الأحاديث التي تشير إلى وجود أنبياء ورسل في تلك العوالم توضح أيضاً هذا التمهيد.. ولكن الاتصال بين الأرض وبينهم هو الآخر قد حدث خلال التاريخ البشري على الأرض. وتعبّر رؤية الملكوت لإبراهيم (ع) والمعراج للرسول (ص) عن جزء من هذا الاتصال.

إن قوله تعالى [للعالمين نذيرا]- لا يمكن أن تتصور فيه العالمين بالصورة التي يصفها المفسرون في (الحمد لله رب العالمين)- لأنه من الواضح أن المنذرين لابد أن يكونوا كائنات عاقلة وقادرة على الاختيار ومنوط بها التكليف الشرعي.. نعم في سورة الرحمن فقط الخطاب موجه إلى الثقلين - الإنس والجن ولكن لا يشكل الجمع في صيغة (العالمين).. مما يوحي بأن الإنس غير الناس وهم عدد من الأجناس، ولذلك جمع الأقطار والسماوات في مقام التحدي: [إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا]، لكونهم عوالم متعددة في أقطار السماوات والأرض المتباعدة. ويدل على  ذلك أن الخطاب الآخر في سورة الأنعام يؤكد كون الرسالة لجميع العوالم الإنس والجن وهما أصلان لكثير من سكان الكواكب وهو قوله تعالى [يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا] 130/الأنعام.

ويتأكد المعنى الشمولي الكوني للرسالة حينما نتذكر أن المخاطبين يوم القيامة لإدخالهم جهنم هم فقط نوعان هما (الإنس والجن) مما يدل على أنهما أصل جميع تلك الخلائق المجموعة في ذلك اليوم:

[قال أدخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس] 38/الأعراف.

إذن فالإنس ليسوا بني الإنسان على أرضنا وحدهم، ولا يعقل أن يخاطبهم القرآن مراراً وهو كتاب أنزل في الأرض، فلا بد من وجود تمهيد سابق لهذا الإنذار.

ففي كل مقام ضروري يأتي القرآن بالأسماء الأصلية: ففي مقام التحدي يتحدى جميع العوالم التي انحدرت من أصل الإنس والجن:

[قل لأن اجتمعت الجن والإنس على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا] 88/الإسراء.

وفي مقام الغاية من الخلق يأت أيضاً بالأسماء العامة التي تضم جميع عوالم التكليف الشرعي [وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون] 56/الذاريات.

ومن هنا يتبين أن الأحاديث التي أشارت إلى خلق يمرون بالطور المهدوي ولا يعصون الله طرفة عين- إنما تعني خلقاً آخر لا نعرفه لا صلة له بالطين ولا مارج النار وذلك لأن الكتاب الخاتم نزل على الأرض- والرسول في الأرض- والأرض لم تصل بعد إلى الطور المهدوي، إذ أن عوالم الإنس والجن لا يمكن أن تسبق الأرض بالطور المهدوي- فالأرض هي مصدر الإشعاع لإيصال تلك العوالم إلى مرحلة المهدوية.

ومن هنا قال لبني إسرائيل (وأني فضلتكم على العالمين)- ذلك أنه أراد منهم أن يشكلوا ركيزة للاستخلاف في الأرض- وتمنى لهم ذلك رسولهم فقال: [عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض..]، بيد أن هذه الأمة فشلت أخيراً في الاختبار.

نعم في عهد سليمان (ع) تمكن من بسط نفوذه على الأرض- ولهذا حدث الاتصال مع تلك العوالم المؤثرة الأخرى فجاء القرآن مرة أخرى بالأسماء العامة إذ تكون له جيش من نوعين.. وكانت غايته المضي قدماً في الدعوة إلى الله:

[وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير..] 17/النحل.

ومن هنا نعرف إذا حدث استخلاف في الأرض- يحدث دوماً معه- الاتصال بعوالم الإنس والجن- وحينما يضمحل هذا الطور يبقى الاتصال رمزياً ومحدوداً للأولياء والأنبياء وحسب. حيث يقومون بتفقد تلك العوالم بمفردهم.

ولذلك لا يبدوا غريباً أن يدعوا المهدي (ع)- القاطنين في السماوات إلى دين الله بعد أن يتمكن من الأرض- بل الغريب ألا يفعل ذلك. وهو يطبق الشريعة الخاتمة ويحمل الكتاب المهيمن.. ويرث الذي أرسله الله ليكون للعالمين نذيراً. ولرب سائل يسأل أين يكون الرسول (ص) نفسه المبلغ بإنذار العالمين؟.

والحق أن السؤال بالغ الصعوبة على أذهان البعض! ولكنه في الحقيقة واضح كل الوضوح في عشرات الآيات القرآنية- لو تدبر فيها المرء بإمعان- فالرسول (ص) في الحقيقة هو القائد الأعلى لهذا الطور ويكون موجوداً.. والمهدي(ع) والمسيح (ع) إنما يقومان بترتيب الأوضاع في الأرض تمهيداً لطور الاستخلاف الطويل الأمد.. والذي يستمر الرسول (ص)، في إدارته من الأرض.. يساعده عدد كبير من الأنبياء والخلفاء والقادة.. وجميع التفاصيل تأتيك خلال الكتاب بإذن الله.

ولم يكن الاتصال مع الكواكب لمجرد الإطلاع.. بل أيضاً لأداء المهام الدينية والرسالية من اجل التمهيد هناك- لاستخلاف تلك الأمم على أراضيهم.. وسوف تعرف قريباً في الفصل اللاحق أن الاستخلاف هو قانون عام شامل للكون وأنه الغاية الأولى والأخيرة من الخلق.

ويبدو أن الرحلة الغامضة في القرآن- أعني رحلة ذي القرنين هي من هذا النوع ولما كانت هذه الرحلة بالغة الأهمية ولشخوصها صلة بالمهدي (ع) وتنطوي على تفسير جديد فسوف نضعها تحت عنوان مستقل.

4- قصة يأجوج ومأجوج ورحلة ذي القرنين إلى الكواكب

[تفسير جديد]

إن قصة ذي القرنين مختلفة عن جميع القصص القرآني، وهي أكثرها غموضاً على الإطلاق. ويكفي في ذلك أنهم اختلفوا في شخصيته على عشرة أقوال وسبب تسميته على أحد عشر قولاً.. كما اختلفوا في ثمانية عشر لفظاً ورد في القصة رغم قصرها الشديد. وبقيت القصة إلى اليوم لغزاً محيراً عند العلماء. إذ وجدوا ان عبارات مثل (اتبع سببا)، (ساوي بين الصدفين)، (وجدها تغرب في عين حماة)، (لم نجعل لهم من دونها ستراً)، وجدوها، مع القوم يأجوج ومأجوج أشياء مستعصية على الفهم.

والذين حاولوا تفسير جميع الألفاظ، بحسب ما فهموه- من غير ما  نظر لأجواء السورة نفسها وأغراضها تورطوا أكثر حينما ظلت الكثير من الأسئلة بغير إجابة!.

قالوا أن السد الذي بناه ذو القرنين في أذربيجان.. ولم يعثر أحد في المنطقة على ذلك السد! وقالوا ربما يكون ذلك سور الصين.. علماً أن سور الصين من حجر والمذكور في القرآن من حديد ونحاس. وتساءل الناس من هم يأجوج ومأجوج وأين يقطنون.. فافترض البعض أنهم سكان الصين، بالرغم من أن صفتهم في المأثور النبوي لا تشبه صفة بني الإنسان على أرضنا من قريب ولا من بعيد.

وقام صاحب الميزان بإحصاء الصور المحتملة لسرد القصة بناء على المعاني المتعددة

والوجوه المختلفة للمفسرين فوجدها تبلغ أكثر من مليون صورة محتملة، واستنتج من ذلك أن أي كتاب مهما بلغ من العلم لن يتمكن من صياغة قصة غامضة على هذا النحو لتعطي هذا العدد من الصور، مما يدل على سماوية القرآن!!. ولا نريد مناقشة هذا الاستنتاج بالمقارنة مع وصف القرآن لنفسه بأنه (مبين).لقد استخدمت في القصة لغة قرآنية بخلاف القصص القرآني وورود ذكر اسم أقوام مجهولين عندنا هم (يأجوج ومأجوج)، إذ لا يوجد على الأرض قوم آذانهم طويلة تستخدم عندهم فرشاً وغطاءً وبمقدورهم شرب ماء بحيرة طبرية عن آخره، كما ورد في الحديث، كما لا يوجد قوم على الأرض لا ستر لهم من الشمس ولا يوجد سور في الأرض يشبه سد ذي القرنين- مما يدل على أن أي تفسير يحاول فك رموزها على نطاق الأرض سيكون فاشلاً.

ولا أدري لماذا لم يتأمل المفسرون بقول الإمام علي (ع) [كل البشر ولد آدم- إلا يأجوج ومأجوج- إذ تكفي هذه العبارات بمفردها على التيقن من أن الرحلة كانت لخلق ليسوا من ولد آدم وبالتالي فإنها ليست رحلة أرضية.

إن الحديث يعني أنهم مجبولين من الطين ولكنهم لم يصلوا بعد إلى مرحلة الآدمية وبإمكاننا أن نفترض أنهم إذا كانوا في أرض أخرى في كوكب آخر فأن لهم طباع مختلفة وعلاقة بالجاذبية والمجالات المغناطيسية وأوزان مختلفة عنا تماماً. وبالتالي فإن لهم قدرات جسمانية تناسب كوكبهم تعتبر شديدة الوطأة بالنسبة لنا لكننا نتفوق عليهم بالقدرات العقلية وباجتياز مراحل من الآدمية.

ما هي الدلائل على أن هؤلاء في كوكب آخر وإن رحلة ذي القرنين كانت في الفضاء؟ إن الدلائل كثيرة جداً ومن أهمها الأسلوب القرآني نفسه:

فلم يذكر القرآن سفراً أو رحلة بمثل هذه العبارة: [ثم أتبع سبباً].. فهذه العبارة بمفردها تدل على السفر في الفضاء، ذلك لأنها في القرآن لم تستخدم إلا في هذا المعنى فقط:

المورد الأول: [...يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب. أسباب السماوات فاطلع إلى إله موسى...] 36/37-غافر.

المورد الثاني: [من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء فليقطع] 15/الحج.

المورد الثالث: [أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما. فليرتقوا في الأسباب] 10/ص.

فهذه الموارد واضحة في معنى الارتقاء إلى الفضاء. والموارد الأخرى الأربعة في نفس القصة، ومجموع الموارد لهذا اللفظ (الأسباب) هو ثمانية موارد.

وهناك مورد واحد فقط لا يصرح بالرقي إلى السماء هو قوله تعالى [إذ تبرأ الذين أتُبّعوا من الذين أتَبَعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب].

وهو أيضاً للرقي إلى السماء- إذ سيأتيك البرهان- في فصل جنات الطور المهدوي وعذابه أن هذا عذاب المرحلة المهدوية حيث سيحاول الكفرة الهرب من الأرض عند رؤية العلامات الكونية- لاعتقادهم بدمار الأرض- وهو الذي يفسره المقطع في سورة الرحمن [لا تنفذون إلا بسلطان- يرسل عليكم شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران].. وفي الآيات دليل على أن الطور المهدوي يبدأ عند محاولة البشر تجربة  القيام برحلات إلى الفضاء. ولذلك قال تقطعت (بهم) ولم يقل تقطعت بينهم الأسباب، ليدل على أن الفشل يلاحق الأسياد وعبيدهم على حد سواء. أي تقطعت بهم جميعاً. والبراهين على وجود عذاب دنيوي قبل القيامة كثير جداً تأتيك في محلها بإذن الله.

رأينا في الأحاديث السابقة أنهم (ع) يؤشرون إلى جهة المغرب أكثر من مرة.. لوصف كواكب وأقوام. فما هو الموجود في جهة الشمس لحظة الغروب؟. الموجود عند غروب الشمس –باتجاه الشمس- هي الكواكب الداخلية الزهرة وعطارد فمن الممكن أن نتصور أن الرحلة كانت باتجاه هذه الكواكب وبخاصة أن الرحلة تمت بثلاثة مراحل:-

[ويسألونك عن ذي القرنين، قل سأتلوا عليكم منهُ ذِكرا. إنا مَكنّا له في الأرض وأتيناه من كل شيء سببا. فاتبع سببا] الكهف/83-85.

تبدأ القصة على هذا النحو.. فالسفر في الفضاء شيء وقد آتاه الله من كل شيء سببا فليكن السفر الفضائي من جملة ما آتاه:

حديث (13):

عن أمير المؤمنين في قوله تعالى [وآتيناه من كل شيء سببا] قال:

[وأعطيناه من كل شيء علماً وقدرة وآله يتوصل بها إلى مراده] قصص الجزائري/ ذو القرنين.

يذكر الإمام (ع) هنا وجود علم وآله توصله إلى مراده. وهكذا بدأت السفرة بثلاثة مراحل:

الأولى: [حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمأة ووجد عندها قوما]. لقد تحرك باتجاه الشمس لحظة غروبها_ إذن فهو متجه نحو مدار الزهرة.. وفي كل سنة تمر الزهرة بهذا المدار حيث تصبح مع الأرض في جهة واحدة. عند الغروب أيضاً وصل إلى الزهرة لأنه لا يستغرق أي وقت يذكر.

فوجد الشمس تغرب عليه في عين حمأة. أي في كرة أرضية عالية الحرارة داكنة اللون. لقد عبر الأئمة مراراً عن الكواكب بلفظ (عين) كما في النصوص الآتية:

حديث (14): في البحار عن الصادق (ع) [إن من وراء عين شمسكم هذه أربعين عين شمس].

حديث (15): فيه أيضاً عنه (ع) أيضاً [إن من وراء عين قمركم أربعين عين قمر].

حديث (16): [في البشارة في علامات المهدي (ع) عنهم (ع):

[وبدنا بارزاً نحو عين الشمس].

العين في اللغة لها سبعين معنى.. لكن الأصل اللغوي لها هو: الشيء المكور بذاته والواضح وضوحاً كافياً ولذ سميت كرة الأبصار عينا وكرة الماء المتدفق ذاتياً من الأرض عينا.. أما كونها حمأة: فهو أوضح لأن الزهرة مرتفعة الحرارة إذ تقدر الحرارة فيها أكثر من مائة درجة مئوية.. مقابل 70 درجة أقصى حرارة للأرض. وهي شديدة اللمعان إذا شوهدت من الأرض- لكن سطحها مظلم لكثافة الغيوم على طول السنة. فورد ذكر هذه الظلمة في:

حديث (17): الجزائري في قصص الأنبياء عن علي (ع): [قال ذو القرنين أي يريد أن أسلك هذه الظلمة.. قالوا إنك تطلب أمراً ما طلبه أحد قبلك من الأنبياء والمرسلين.. قال لا بد لي من ذلك].

حينما تكون الزهرة في منطقة قريبة من الأرض، وينطلق ذي القرنين إليها فإنه يصل بطبيعة الحال إلى الجزء المظلم منها. لأنها كوكب داخلي. لاحظ الرسم.

[قال أما من ظلم فسوف نعذبّه عذاباً شديداً ثم يرُدُّ إلى ربه فيعذبّه عذاباً نكراً. وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا].

إذن (فوجد عندها)- عند العين أي الكرة الأرضية لا عند الشمس. وقوله سوف نعذبه يدل على أنه وضع لهم قوانين وأنظمة وعقوبات وأفهمهم أمر الدين وعين لهم مرشدين، وإذن لم يكن مسافراً بمفرده. كما أنه بقي عندهم مدة كافية ثم ذهب إلى مطلع الشمس.

وقد يقال: إذا بقى مدة طويلة فلا بد أن الشمس طلعت عليه عدة مرات؟ الجواب كلا لم تطلع الشمس وهو الذي أنطلق إلى مطلعها لأن الزهرة هي الوحيدة من الكواكب السيارة التي يومها طويل جداً بدرجة غريبة.. إن يومها أطول من سنتها؟ كما في النص العلمي الآتي:

نص علمي: [ولم نكن نعرف مدة دورتها حتى عام 1962 حيث كشف الرادار أن يومها يساوي 247 يوماً من أيامنا]- دليل النجوم- ص 60 د. عبد الرحيم بدر.

ولهذا بقي في الظلمة عدة أيام مواصلاً السير كما في هذا النص:

حديث (18): الجزائري في قصصه عن أمير المؤمنين (ع) قال [سارَ ذو القرنين في الظلمة ثمانية أيام وثمانية ليال ومعه أصحابه].

من الواضح أنه (ع) يقصد ما يساوي هذا العدد من أيام الأرض لا من أيام (الزهرة) حسب الفرض.

المرحلة الثانية: [ثم أتبع سببا- حتى إذا بلغ مطلع الشمس]

أنطلق أيضاً بالسرعة الفائقة، لكن باتجاه مطلع الشمس. إذا كان دوران الزهرة حول محورها بطيئاً جداً ويومها ما يقرب من سنة فيفترض أن يتجه إلى مغرب الشمس أيضاً ليذهب إلى الكوكب الداخلي الآخر، (عطارد) فلماذا اتجه نحو مطلع الشمس؟ الجواب أنه لو تحرك باتجاه مغرب الشمس لعاد إلى الأرض وهو لا يريد ذلك إنه يريد الانطلاق إلى عطارد.. والسبب هو أن الزهرة هي الوحيدة من السيارات التي تدور من الشرق إلى الغرب مخالفة بذلك جميع أفراد المجموعة الشمسية كما في النص العلمي: نص علمي: [... ولكن الرادار نفسه اكتشف شيئاً مذهلاً حقاً. وجد أن الزهرة تدور حول نفسها في اتجاه معاكس للكواكب الأخرى. فكل الكواكب تدور حول نفسها من الغرب إلى  الشرق. أما الزهرة فتدور من الشرق إلى الغرب] الدليل ص 60.

[فوجَدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا]

تحرك إذن باتجاه مطلع الشمس ووجد هؤلاء القوم على كوكب (عطارد). وهؤلاء ليسوا من العلم بحيث يمكن تعليمهم وليسوا أشراراً ليعاقبهم إنهم شبه عراة يمرون بطور بدائي يشبه الطور الذي مرّت به الأرض قبل الزراعة وبناء المساكن.. ولذا لم يفعل باتجاههم أي شيء:

[ كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا ]- أي كنا نتابعه خلال حركته، بعلم احاطي.

المرحلة الثالثة: [ ثم أتبع سببا- حتى إذا بلغ بين السدين ]

سار ذو القرنين بنفس الاتجاه- نحو الكواكب الداخلية، والمشرق والمغرب أمر يخص الكرات الأرضية وهو لا علاقة له بذلك- ولذا لم يذكر القرآن هذه المرة المغرب والمطلع لأنه حدد لنا اتجاهه [بنقطتين يمكن رسم مستقيم بينهما] فلا ضرورة للكلام الزائد.

[ فوجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً ]

هؤلاء درجة تطورهم أدنى من القوم السابقين وهم مساكين لا يحسنون حتى التعبير. فجعل تخلف اللغة دليلاً على تدني معارفهم وهو أدق المقاييس إطلاقاً. لم يعرف القوم من هو ذو القرنين، لذلك عرضوا عليه مطلبهم بسذاجة لمجرد أنهم رأوه بعساكر وقوة لا مثيل لها. عرضوا عليه أن يحميهم من يأجوج ومأجوج مقابل ثمن:

[ قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض- فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً ]؟

لكنه كان بين السدين فأين يريدون وضع السد الجديد؟

إن أكثر الفقرات غموضاً هو بناء السد- بالرغم من أنه ليس سداً كما سنرى. ولكن بناء على اقتراحنا السابق فإن هؤلاء القوم كانوا بين كوكبين في منطقة تعادل الجاذبية حيث هو المعبر عنه [بين السدين]- وهذه هي طبيعة هذا الخلق، ذلك لأن السد في التعبير القرآني هو الحاجز المانع عن الحركة والغير مرئي- أستخدم ثلاث مرات فقط.. مرتان هنا في فقرات بناء السد- ومرة واحدة بالمعنى الذي ذكرناه في يس:

[ وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ] 9/يس.

وهذا الاستخدام الوحيد الواضح وهو الذي يفك رموز الموردين الغامضين أعلاه.

أما يأجوج ومأجوج فإنهم على الكوكب الصغير نفسه، فهل كان يأجوج ومأجوج يهاجمون القوم منطلقين من كوكبهم؟

يبدو ذلك- ففي رواية عن أمير المؤمنين (ع) يذكر فيها أن ذو القرنين استمع في طريقه وهو بالرحلة إلى شرح مفصل من (أحد الملائكة) لعملية نشوء الزلازل- وعند التأمل فيها يظهر واضحاً الربط بين الزلازل وبين القوى المغناطيسية للكوكب- وسوف نوضح أمر هذه الرواية قريبا- ولكن الذي يهمنا منها الآن أن الكوكب قريب من الشمس والمجال المغناطيسي فيه شديد الوطأة يدل على ذلك ( أن كثافته مقاربة لكثافة الأرض رغم أن حجمه خمسة بالمائة منها وسرعته في المدار ضعف سرعتها تقريباً رغم أن يومه 58 يوماً من أيامنا مما يدل على شدة المجال المغناطيسي فيه). الخطوط المغناطيسية تخرج من دائرة صغيرة في القطب الشمالي ممتدة إلى دائرة مثلها في القطب الجنوبي- وفي القطب بالذات ينعدم تأثير القوة المغناطيسية- وهذا هو المنفذ الوحيد لخروج يأجوج ومأجوج! يؤيد ذلك طبيعتهم القائمة على سرعة الحركة:

حديث (18): البيضاوي في أنوار التنزيل وأسرار التأويل في يأجوج ومأجوج قال:

[ وقيل أنهما من الترك وقيل أنهما اسمان أعجميان بدلالة منع الصرف ]

أقول أنه ليس في القرآن ما هو أعجمي:

[ ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته ] 44/فصلت.

فالاسم مشتق من أج أي أسرع والآخر مشتق من مج ومعناه تحدّر أو إنسلّ فالأج والمج واحد في الفعل مختلف في الصورة الأول  يظهر الإسراع  والآخر ينسل خفية بإسراع فهو كالفارق تماماً بين الهمز واللمز.

القاموس: [ أج إذا أسرع وأصله الهمز ].

ما الذي فعله ذو القرنين؟ قام أولاً بتصحيح لغوي لطلبهم. فهم أرادوا سداً لكنه أخبرهم بأنه سيجعل بينهم ردماً! فما هو الفرق بينهما؟ إن الفرق بينهم يبين صحة الفرض السابق. فالسد رغم كونه قرآنياً غير مرئي لكن صورته الذهنية هي صورة الجدار الطولي. أما الردم فهو إغلاق فتحة علوية.

القاموس [ ردم الثلمة وردم الكوة إذا سدها أو أغلقها ]

فالكوة التي تدخل فيها الشمس تردمها ولا تسدها.

تخيل الخطوط المغناطيسية الخارجة من قطب مغناطيسي لآخر أو أنظر الرسم سترى هنا الثُلمة المغناطيسية.

إذا رأيت الرسم بإمعان فإن شكل الخطوط يشبه شكل الصدفة- صدفة المحار لكن الصدفة نفسها عليها نقوش خطوط تشبه تماماً خطوط الفيض على كرة ممغنطة- فهناك أيضاً في المحار دائرة صغيرة في الأعلى تخرج منها الخطوط على المحارة.

إن الخطوط المغناطيسية ( تنقطع ) عند القطبين وفي هذه النقاط تضعف القوة ويمكنهم الإفلات منها. والطريقة الوحيدة لمنع القوم من الخروج هو توصيل الفيض ما بين الصدفين ولا يتم ذلك إلا ببناء مغناطيسي شديد الفيض فوق القطب- فاللازم إذن استخدام الأسلوب العلمي لصناعة مغناطيس يوضع على القطب لسّد الثلمة التي تبلغ ثلاثة أميال. فالمجال يسد الثلمة لكن المغناطيس يوضع على الجهتين وهو أصغر حجماً من الثلمة بكثير.

كيف تصنع المغانيط الحديثة؟ يجيب على هذا السؤال النص العلمي الرسمي الآتي:

[... فبناء على نظرية الدايبولات الحديثة تكون ذرة الحديد هي أفضل المواد الفيرومغناطيسية لأنها تحتوي على أربع إلكترونات لا إزدواجية في الطبقة الثالثة متشابهة في اتجاه البرم. وتصنع المغانيط الحديثة من خليط الفيرات وهي عبارة عن أوكسيدات الحديد مخلوطة مع أوكسيدات مواد فيرومغناطيسية أخرى كالنحاس- إذ يأتي بالدرجة الثانية بعد الحديد بالقابلية على التمغنط حيث تطحن أو تقطع هذه المواد إلى قطع صغيرة أو تضغط ثم تحرق بالنار فنحصل على مغانيط قوية ذات خصائص فريدة]- الفيزياء- كلية العلوم- جامعة بغداد.

لقد قام ذو القرنين بالعمل على هذا النحو تماماً:

[ قال أأتوني زُبَر الحديد ].

قُرئت زُبًر الحديد بفتح الباء- والمعنى القطع العظيمة الكثيرة (القاموس). لكنهم في قوله تعالى [ فتقطعوا أمرهم بينهم زُبُرا ] اختلفوا بين الفتح والضم، وخالف ابن بري الجميع بما في ذلك خالويه حينما قال:

من قرأ زبُرا بالضم فهي جمع زَبُور- أي جعلوا دينهم كتباً كثيرة. ومن قال زُبَراً بالفتح فهي جمع زُبَرة- أي قطعة أي تقطعوا قطعاً.

سوف ننقل خلافهم الآن إلى موضوعنا! لأنهم تركوها اعتقاداً منهم بأن السد عظيم فالقراءة بالفتح حتماً. فلو قرأناها بالضم لكان المعنى أتوني قطع الحديد المقطعة قطعاً.. أي المسحوقة سحقاً. وهذا هو سبب قوله [فأعينوني بقوة]، أحتاج قوتهم لتقطيع الحديد لا لحمله.. لأنه كما يبدو من النص القرآني متوفر في المنطقة بكثرة.

لكن ابن منظور لا يرى فرقاً بين القراءتين فعنده زُبَر وزُبُر واحد هو الأجزاء الصغيرة. ومن هنا يتضح أن قول المفسرين قطعاً عظيمة لا مؤيد له من اللغة- فإن أرادوا وصف الكمية فهي كمية كبيرة ولا تحتاج لإيضاح إنما المقصود القرآني النوعية: أأتوني القطع المقطعة من الحديد لأحرقها واخلطها بالنحاس وأصنع منها أكاسيد تكون مغانيط فريدة!.

وهذا ما فعله- فلكي لا يضطر لنقل المغناطيس العظيم  هذا فقد وضع الحديد بنفس المكان وبالشكل المطلوب بحيث يساوي في فيضه المغناطيسي بين الصدفين ثم أحرقه إحراقاً شديداً ثم رمى فيه النحاس:

[ حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله ناراً قال أتوني أفرغ عليه قطراً ] - إذن فهو يعلم علاقة الفيض بحجم المغناطيس ونوعه.

أراد القرآن بقوله جعلها ناراً تأكيد عملية الإحراق في الجو لتكوين الأكاسيد. أتفق الجميع أن القطر هو النحاس ولكن اختلفوا في نوعه:

قال جماعة: هو النحاس المصهور لقول ابن عباس [قطر آن] فجزأه إلى قطر وآن أي في أوج حرارته.

لكن صاحب القاموس وصاحب اللسان قالا: إنه نوع من النحاس ولم يحدداه إذن فهو أوكسيد النحاس الذي أسمه القديم (زنجار النحاس).

ولهذا أحرق الحديد وحده وأخر النحاس لكونه متوفر لديه كأوكسيد جاهز فيكفي المتبقي من الحرارة لإدخاله الخليط وصهره كون درجة انصهاره أوطأ من درجة انصهار الحديد. وإذن فعلى قراءة ابن عباس يكون معنى آن جاهزاً لا مصهورا! فأين هذا من قول المفسرين إنه بنى الحديد بالنحاس كما يبنى الحجر بالطين وسموه سد ذي القرنين رغم تصحيحه لخطأهم اللغوي وتسميته ردماً؟

[فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا].

لم يقل يظهروا عليه.. لأنهم أول مره رأوا الطريق مفتوحاً إلا هذا الشيء العجيب كحدوة الحصان.. أنها تعني لم يقدروا على خرق المجال وهي عبارة بالغة الدقة وتخلو من التاء لهذا الرمز.. وما استطاعوا له نقبا، عندئذ عرفوا أن هذا الشيء الغريب [ المغناطيس ] هو السبب فأرادوا تهديمه فما استطاعوا:

اللسان: نقبت خف البعير إذا تآكلت وتهرأت. إذن لم يحاولوا ثقبه كما ظن المفسرون بل حاولوا تهديمه لأن الثقب لا فائدة منه فالفيض متصل في الفراغ.

[ قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا ].

وهذا الوعد هو يوم المهدوية- كما سنبرهن عليه لاحقاً- ولهذا السبب أقترن خروج يأجوج ومأجوج بنزول المسيح (ع)- لأن دك الردم عند حدوث الوعد فيتمكنون من الخروج ثانية- ولما كان نزول المسيح (ع) مقترناً بظهور المهدي (ع)- دلّ ذلك على أن الوعد مفرده استخدمت للإشارة لهذا اليوم كما سيأتيك في اقترانات الوعد بالألفاظ الأخرى.

أدلة أخرى متفرقة من المأثور

على صحة التفسير

حديث (18): الجزائري في (النور المبين) عن أمير المؤمنين في قوله تعالى [إنا مكنا له في الأرض] قال (ع): [سخر له السحاب ومد له في الأسباب فكان عليه الليل والنهار سواء].

الحديث واضح في تمكنه من السفر في الفضاء لوجود عبارتي السحاب والأسباب واستخدامه (ع) مد- إشارة إلى قوله تعالى [فليمدد بسبب إلى السماء].

كانت سرعته فائقة جداً- فيتمكن من الخروج من الليل والدخول في النهار ولهذا كانا عليه سواء أي بدون مرور زمن.

حديث (19): الجزائري أيضاً عنهم (ع) في الإجابة عن سبب تسميته ذي القرنين قالوا (ع): لأنه دخل النور والظلمة].

ويحلل بالتحليل نفسه فهو يدخلهما بوقت واحد من غير انتظار لحركة الفلك لامتلاكه السُرع الفائقة، وإلا فلا معنى للحديث، لأن أي فرد منا يمكنه الدخول إلى النور والظلمة. إن هذا يفك الرموز في حديث آخر حول شكل الأرض- حيث ورد في المأثور إجابة عن السؤال عن شكل الأرض أنها [على قرني ثور].

أي: على شكل قرني ثور فتعطي صورة الشكل المفلطح للأرض بدقة علمية أكبر وإذن فلا مكان للسخرية من هذا الحديث الشريف من قبل أولئك المتحذلقين بغير ما دراسة في نصوص وآثار دينهم. يدل عليه قولهم (ع) عن ذي القرنين ( أنه بلغ قرنيها) أي الأرض- أي بلغ جزئيها المتقابلين كقرني ثور شرقها وغربها. يدل عليه أيضاً:

حديث (20): السمرقندي عن النبي (ص): قال: [ سمي بذي القرنين لأنه طاف شرقها وغربها]. إن المثير للسخرية ليس هذا الحديث وأمثاله وإنما بقاء الأمة الكبيرة ألف وأربعمائة سنة جاهلة بمعاني تلك الأحاديث.

حديث (21): العياشي في تفسيره عن علي (ع) بشأن ذي القرنين:

[ثم رفعه الله إلى السماء الدنيا فكشط الأرض كلها حتى أبصر ما بين المشرق والمغرب]. الحديث صريح في أن رحلاته كانت في الفضاء.

كشط في اللغة- كشف (وإذا السماء كشطت)- أي فرجت وكشفت.

فاستعمل (ع) لفظ كشط للدلالة على نوع الحركة- لارتباطه في القرآن بالسماء فقط.

حديث (22): الراوندي في قصص الأنبياء (ع) عن الباقر (ع): [ حج ذو القرنين بستمائة ألف- فسار إلى إبراهيم (ع) فقال إبراهيم (ع) بم قطعت الدهر؟]

أنّ قطع الدهر يعني (اختصار الزمن)- فهو يقطع المسافات التي لا تقطع إلا بالدهور مثل لمح البصر. ومن الواضح أنه ليس على الأرض مسافات تستغرق دهوراً- لأن الدهر حدد في القاموس على أنه ثمانين سنة.

نص آخر: البيضاوي في أنوار التنزيل حول المرحلة الثالثة من الرحلة قال:

[ثم أتبع سببا يعني طريقاً ثالثاً معترضاً بين المشرق والمغرب من الجنوب إلى الشمال].

إن هذا النص يؤكد ما قلناه من تحركه للمرة الثالثة نحو القطب الشمالي للكوكب لسد الثلمة المغناطيسية.

على أن في رواية الجبل المحيط- تنكشف أسرار أخرى- في القرآن تأتيك في محلها. وهنا سوف نذكر الرواية فقط مع تعليق موجز:

حديث (23) رواية الجبل المحيط:

سخر قوم من المعاصرين من مثل هذه الرواية واستنكروا أن ترد في الكتب المعتبرة. ولهم الحق في ذلك إذ لم يكلفوا أنفسهم عناء التأمل والبحث:

في [ إكمال الدين وإتمام النعمة ] بسنده عن أمير المؤمنين علي (ع) قال:

[ثم مشى على الظلمة ثماني أيام وثمانية ليال وأصحابه ينظرون إليه حتى انتهى إلى الجبل المحيط بالأرض كلها وهو الجبل الأعظم. وإذا بملك من الملائكة قابض على الجبل وهو يسبح فخر ذو القرنين ساجداً فلما رفع رأسه قال له الملك: كيف قويت يا ابن آدم على أن تبلغ هذا الموضع ولم يبلغه أحد من بني آدم قبلك؟ قال: قواني عليه الذي قواك على قبض هذا الجبل وهو محيط بالأرض كلها. قال الملك صدقت لولا هذا الجبل لانكفأت الأرض كلها وليس على الأرض جبل أعظم منه وهو أول جبل أسسه الله ورأسه ملصق بالسماء الدنيا وأسفله بالأرض السابعة السُفلى وهو محيط بها كالحلقة وليس على وجه الأرض مدينة إلا ولها عرق إلى هذا الجبل فإذا أراد الله أن يزلزل مدينة أوصى إلي فحركت العرق الذي يليها فزلزلتها].

إن الحديث يوضح المغناطيسية الأرضية ويوضح الصلة بينها وبين الزلازل فقوله:

محيط بالأرض كلها: لا يعقل بأن الإمام (ع) يقصد به جبلاً مرئياً فكيف يقول ذلك ولا أحد يرى هذا الجبل؟.

وإذن فهو جبل غير مرئي.

قوله: ليس على الأرض جبل أعظم منه: فهو أعلا الجبال فعلاً وأكبرها حجماً.

قوله: وهو محيط بها كالحلقة: تصوير رائع في جميع جهاته. لأن المنظر العلوي والجانبي والمجسم كلها تظهر المغناطيسية على شكل حلقات.

 قوله: ما من مدينة إلا ولها عرق إلى هذا الجبل! تصوير رائع آخر بالغ الدقة لرسم الخطوط المغناطيسية، التي تمر بكافة بقاع الأرض!.

قوله: رأسه ملصق بالسماء الدنيا- أي بالسماء القريبة تحديد آخر لمدى ارتفاع الخطوط الذي يبلغ بضعة آلاف الكيلومترات.

قوله: وأسفله بالأرض السابقة السُفلى: تحديد علمي آخر فيه دقة مدهشة! فلم يكتف بالقول الأرض السابعة حتى قال السفلى ليدلل على أنه في باطن الأرض أيضاً لأن الخطوط تدخل من القطب الشمالي إلى الجنوبي في عمق الأرض وفي أي مغناطيس آخر. وهذا ما يسمى بالقلب المغناطيسي للأرض. أنظر الرسم. علماً بأن طبقات الأرض سبعة طبقات!.

قوله: وهو أول جبل أسسه الله. تحديد علمي آخر مدهش! فإن المغناطيسية كقوة طبيعية تكون مرافقة لتكون الأرض وجزء لا يتجزأ من طبيعة وجودها وكتلتها وهو قطعاً سابق على نشوء أية تضاريس جبلية! بل فيه إشارة إلى تكون الجبال فيما بعد! حسبما أثبتت العلوم الجيولوجية.

فما هو المثير للسخرية في هذا الحديث المقدس؟.

أهو قوله وإذا بملك قابض على الجبل؟

نعم إنه قابض بمجمع الخطوط الكائن في القطب وهو الذي يحدد زاوية الميل المحوري لكل كوكب. وفي الأرض تتحكم هذه الزاوية بكل مصيرنا ومستقبلنا! فليست الزلازل وحدها هي بفعل القابض على الجبل! لأن زاوية الميل هي التي تتحكم في تعرض الأرض لأشعة الشمس وبالتالي يتكوّن الرياح والأمطار.. والأنهار.. إن مصير البشر وأرزاقهم تتحكم بها زاوية الميل المحوري.

أما سر المغناطيسية فلا أحد يأمل في الوصول إليه:

نص رسمي: [.. وتجدر الإشارة إلا أن مغناطيسية الأرض معقدة جداً بالرغم من الفرض الجديد للألماني وولتر القائم على أساس التيارات المائعة في قلب الأرض إذ لا زالت الحقائق عنها هزيلة والمعروف منها أمور متضاربة تجعل الحصول على نظريته حصيفة عن أصل المغناطيسية الأرضية أمراً بعيد المنال.]!!. نظرية المجال/كلية الهندسة.

وتشير معادلات ماكسويل في الحقل المغناطيسي إلى أن فيض الحقل يعتمد على قيمة الشكل المتجه للحقل وعلى القيمة الآنية للتمرير في المادة. وقيمة الشد تعتمد على حركة المحور وزاوية ميله.

ولذلك كان البيضاوي في (أنوار التنزيل) وابن منظور في (لسان العرب) يحومان حول المعنى من غير أن يعرفا أسراره:

البيضاوي: فلما ساوى بين الصَدَفين الصَدَف بالفتح والضم لغتان وكلاهما من (الميل) ولكن أي ميل لم يكن يدري؟ هكذا قالوا.

اللسان: والصدف منقطع الجبل المرتفع وبه قُرأ ساوى بين الصدفين!. والصدف غشاء الدُرّة، صَدَفُ الدُرّةِ غشاؤها.

إن عبارة (منقطع الجبل) المرتفع ليست لغوية قطعاً بل تسربت إلى المعاجم من علماء القرآن فهناك على القطب تنقطع الخطوط الشبيهة بالجبال. ولا معنى آخر لعبارته.

وعلى معنى غشاء الدرة يطابق المعنى بصورة أكثر دقة.. فهو يتضمن معنى الخيوط ومعنى الإحاطة.. فكأن المغناطيسية أشبه بغشاء يغطي الأرض كغشاء الدرة في الصدف!.

هذه خلاصة شديدة التركيز لما يتضمنه هذا الحديث من أسرار وعدا ذلك فإن له صلة بالكثير من الآيات القرآنية ومعانيها- لعل أهمها هو الباب الذي يفتحه الحديث لمعرفة الفرق بين الرواسي والجبال والذي يأتيك في موضعه بإذن الله تعالى.

ولا أدّعي ان اتجاه الحركة في الرحلة أمرُ محسومٌ تماماً وإن كنت أدّعي ان فضائية الرحلة أمرٌ لا شكّ فيه.

فلو أن العبارة القرآنية (حتى إذا بلغ مغرب الشمس) قد تحقق معناها بوقت انطلاقٍ آخر معاكسٍ أي انه انطلق فجراً او صباحاً إلى مغرب الشمس لانعكست الحركة كلها وأصبح اتجاه الرحلة إلى الكواكب الخارجية وهي المريخ واقمار المشتري ثم المشتري. وفي كل الاحوال يبقى هذا الاحتمال ممكناً كالأول لحين ظهور حقيقة في النص تثبت أيهما الذي حصل بالفعل. ولكن ذلك كله لا يؤثر على صحة الفرض بفضائية الرحلة ولا ما ذكرناه اجمالاً عن كيفية بناء السد.

وفي كتابنا (ملحمة جلجامش والنص القراني) توضيحٌ أكثر إسهاباً يطابق الاحتمال الثاني لاتجاه الحركة.

.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست
t-decoration: none; font-weight: none"> . النهاية

اللاحق السابق

البداية   الفهرست